أشهر الدكتور عبد القادر الرباعي كتاب “بلاغة
النص” مساء أمس الاثنين، في منتدى عبد الحميد شومان الثقافي، بحضور نخبة
من الأدباء والأكاديميين والمعنيين.
ويقدم كتاب “بلاغة النص”، رؤية نقدية تسعى إلى تجاوز المفهوم التقليدي
للبلاغة بوصفها فنا للإقناع أو صناعة للخطاب، نحو مفهوم أوسع يسميه
المؤلف “البلاغة التكوينية”.
وينطلق هذا التصور من أن اللغة ليست أداة لنقل المعاني فحسب، وإنما قوة
فاعلة في تشكيل الوعي والهوية والثقافة، وأن النصوص الأدبية والثقافية
تسهم في بناء التصورات الجماعية وصناعة المعنى داخل المجتمع.
الدكتور العجلوني أشار في قراءته إلى أن الرباعي ظل وفيا لموضوعه
الأساسي، وهو دراسة النص الشعري، مع تطوير أدواته المنهجية باستمرار.
وبين أن الرباعي بدأ بدراسة الصورة الفنية في الشعر العربي، ثم انتقل
إلى توظيف مناهج النقد الحديث كالشكليّة والبنيوية والتفكيكية، وصولا
إلى النقد الثقافي والبلاغة التكوينية.
وأكد العجلوني أن الرباعي حافظ على التوازن بين الأصالة التراثية
والمناهج النقدية المعاصرة، فاهتم بالبنية الجمالية للنص دون أن يغفل
أبعاده الدلالية والاجتماعية والثقافية.
وذهب إلى أن مشروع الرباعي يمثل انتقالًا متدرجًا: من دراسة الصورة
الشعرية، إلى النقد النصي الحديث، وإلى النقد الثقافي والبلاغة
التكوينية.
وبين أن الرباعي خلص إلى أن البلاغة التكوينية تفتح آفاقًا جديدة لدراسة
النصوص والخطابات الثقافية والسياسية، ويمكن الإفادة منها في بناء سردية
ثقافية عربية جامعة تستند إلى التاريخ واللغة والذاكرة المشتركة
ونوه بأن مشروع الرباعي النقدي مشروع متصل ومتطور، هدفه فهم النص الأدبي
بوصفه بنية جمالية وثقافية قادرة على تشكيل الهوية الجماعية والوعي
الثقافي، وهو ما تجسد أخيرًا في تبنيه لمنهج البلاغة التكوينية.
وقال أبو محارب في قراءته، إن الرباعي بدأ رحلته مع أبي تمّام من بوابة
الصورة الفنيّة، مستندًا إلى منجزات النقد الحديث، ساعيا إلى استكشاف
أسرار شاعر، لينظر إلى شعره من أفق البلاغة التكوينيّة، متتبّعا حركات
المعنى وأنساق التاريخ ومسالك الجمال في النص.
بدورها لفتت عبد الهادي إلى أن التجربة النقدية الرباعية تحولت إلى
مشروع في الترجمة والاجتراح الفكري، وقدمت قراءات يحضر فيها أبو تمام
بوصفِه مركزية نصية، وتأتي القراءة حذرة ويقظة مضاعفة أثرها النصي من
خلال تحليلها التكويني.
وبينت أن البلاغة التكوينية بارعة في توظيف أدواتها لتحليل النص
المراوغ، وتشتغل على الأضداد والأقطاب البلاغية، والثنائيات.
وأوضحت أن الرباعي يشرح اللغة فيقف على التكرار بما يذكر بطريقة
البلاغة التقليدية، ثم يقفز إلى الخيط الشعوري الناظم في اللغة، إلى
تلون التفاعيل في النص، إلى الصورة إلى مساءلة الكينونات.
وبين أن الكتاب يعيد البلاغة إلى وظيفتها الاولى بأن تكون علما بالكلام
المؤثر، وفنا في مخاطبة الإنسان، وطريقا في تهذيب الذوق والوعي، لا مجرد
مصطلحات محفوظة أو أمثلة مكررة.
من جهته، ببن الرباعي أن البلاغة التكوينية نظرية وضعها جيمس بويد
وايت أستاذ القانون واللغة الإنكليزية بجامعة ميشغان عام 1984، قائلا
أنها “تعنى بقدرة اللغة، والرموز على إنشاء هوية جماعية، وتشكيل الثقافة
والمجتمع من خلال السرد والأدب. وهي تعنى ببناء الشخصية الجماعية،
وتعزيز ثقافتها بعيدًا عن البلاغة القديمة. وهو ما وصفه وايت – بفن بناء
الشخصية، والمجتمع والثقافة في اللغة”.
وبين أن بلاغة التكوين هي بلاغة العصر، ونهجها هو النقد الثقافي،
وهويتها تتمثل في تكوين البلاغة المعاصرة اذ هي بلاغة العلوم الإنسانية،
وتتجلى وظيفتها في انبثاق الهوية، وتجلي الصورة الفنية، وصنع المعنى من
خلال خطاب الثقافة.
وتابع كما أنها تركز على تكوين الفن، وتفعيل اللغة بصفتها أداة للقيم،
وخلق مجتمعات متعددة، متفاعلة، وتسهم في رصد التجارب الإنسانية المؤثرة
وتفعيلها.
ولفت إلى أن عالمها متعدد الأقطاب والإنسان هو محورها، والفن روحها،
واللسان أداتها، والثقافة زادها، والقيمة تاجها، معتبرا إياها بلاغة
الإنسان واللسان.
م ت/م د/أس
