زياد الشخانبة- تمثّل الأراضي الهامشية في
الأردن موردًا يمكن تطوير قدرته الإنتاجية إذا جرى التعامل معه وفق
الخصائص الطبيعية والمحددات البيئية؛ إذ إن انخفاض إنتاجية الأراضي لا
يعني بالضرورة فقدان الأرض لقدرتها، بل يمكن التعامل مع الأسباب
المرتبطة كشح المياه، أو ضحالة التربة، أو الانجراف، أو الملوحة، أو
انخفاض المادة العضوية، أو تدهور الغطاء النباتي، أو ممارسات الإدارة
غير الملائمة.
وقال متخصصون لوكالة الأنباء الأردنية ()، إنه في ظل محدودية
الموارد المائية وتذبذب الهطول المطري واتساع البيئات الجافة وشبه
الجافة، يبرز تأهيل الأراضي الهامشية كعملية تحتاج إلى منهج علمي متكامل
يبدأ بتشخيص الموقع، ثم تقييم التربة والمياه، واختيار النباتات
الملائمة، وصولًا إلى الإدارة والمتابعة وقياس النتائج، بدل اعتماد حلول
موحدة لجميع المواقع.
وأضافوا أن تأهيل الأراضي الهامشية ليس مجرد زراعة نباتات في مواقع
منخفضة الإنتاجية، وإنما عملية متكاملة تبدأ بفهم الموقع وتحديد قيوده،
ثم معالجة مشكلات التربة والمياه، واختيار النبات المناسب، وإدارة
الموقع ومراقبة النتائج، مشيرين إلى الانتقال من مفهوم الاستصلاح القائم
على زيادة الإنتاج في المدى القصير إلى استعادة القدرة الإنتاجية للأرض
والمحافظة على التربة والمياه والغطاء النباتي ضمن حدود الموارد
الطبيعية المتاحة، بحيث يقاس النجاح بقدرة الأرض على الاستمرار في
الإنتاج والمحافظة على مواردها عامًا بعد عام.
وأوضحت رئيسة شعبة الإنتاج النباتي في مديرية زراعة لواء سحاب المهندسة
إيناس الجبور، أن التشخيص الميداني يمثل نقطة البداية في أي عملية
تأهيل، لأن أسباب انخفاض الإنتاجية تختلف من موقع إلى آخر، ما يستدعي
دراسة خصائص الموقع قبل تحديد نوع التدخل.
وأشارت إلى أن التقييم الميداني يجب أن يشمل درجة الانحدار، وعمق التربة
وقوامها، وتصريف المياه، والملوحة، والمادة العضوية، والغطاء النباتي،
ومظاهر الانجراف، والاستخدام السابق للأرض، ومصادر المياه وكمياتها، مع
إمكانية توظيف نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد في المواقع
الواسعة لتحديد التباين المكاني ومخاطر الانجراف وملاءمة الاستخدامات
المختلفة.
وأكدت أن تحديد العامل المحدد للإنتاج هو الأساس في اتخاذ القرار، إذ لا
يمكن اختيار النبات أو التقنية المناسبة قبل معرفة ما إذا كانت المشكلة
الرئيسية مرتبطة بالمياه أو التربة أو الانجراف أو غيرها من العوامل،
الأمر الذي يجعل التشخيص الدقيق خطوة أساسية لتوجيه الموارد نحو التدخل
الأكثر ملاءمة.
وقال الخبير في تكنولوجيا الزراعة المهندس محمد زيناتي، إن حصاد مياه
الأمطار وإدارتها يمثل محورًا أساسيًا في المواقع التي يشكل فيها نقص
المياه العامل المحدد لضعف الإنتاج، إذ تهدف هذه التدخلات إلى زيادة
تسرب المياه إلى منطقة الجذور وتقليل الجريان السطحي والانجراف ورفع
كفاءة الاستفادة من الهطول المطري.
وأضاف أن الخيارات الممكنة تشمل وفق خصائص كل موقع، الخطوط الكنتورية،
والحواجز الترابية، والمصاطب، والأحواض الصغيرة، وتقنية Vallerani، وبعض
أنظمة Marab، على أن يتم اختيار التقنية بناءً على الانحدار، ونوع
التربة، وكمية الأمطار، واتجاه الجريان، وعمق التربة والاستخدام
المقترح، إذ لا توجد تقنية واحدة مناسبة لجميع المواقع.
وأظهرت دراسات تطبيقية في مناطق من البادية الأردنية أن دمج حصاد مياه
الأمطار مع زراعة الأنواع المحلية يمكن أن يسهم في تحسين الغطاء النباتي
والحد من فقدان التربة، ما يعزز أهمية ربط إدارة المياه بتصميم التدخلات
النباتية بدل التعامل مع كل منهما بصورة منفصلة. وبعد تحديد خصائص
الموقع والتربة والمياه، يأتي اختيار النبات باعتباره المحور الذي يحدد
مدى قدرة التدخل على الاستمرار.
ومن جانب إدارة التربة والمياه ، يوضح المتخصص في الإنتاج النباتي من
مديرية زراعة محافظة العاصمة المهندس يزيد الرقاد، أن تقييم خصائص
التربة يأتي مباشرة بعد تشخيص الموقع، باعتبارها الوسط الذي يعتمد عليه
النبات في الحصول على الماء والعناصر الغذائية، وقد تكون في بعض المواقع
العامل الأكثر تأثيرًا في الإنتاجية.
وبين أن أهم القيود التي ينبغي تشخيصها تشمل انخفاض المادة العضوية،
وضعف بناء التربة، والانضغاط، وانخفاض القدرة على الاحتفاظ بالمياه،
والملوحة والصودية، وفقدان الطبقة السطحية نتيجة الانجراف، موضحًا أن
تحديد هذه القيود يتطلب تحليل مؤشرات مثل pH، وEC، والقوام، والمادة
العضوية والكربون العضوي، والعناصر الغذائية، والصوديوم، وعمق التربة
ومنطقة الجذور والقدرة على الاحتفاظ بالمياه.
وأكد أن معالجة التربة يجب أن تكون مرتبطة بسبب المشكلة؛ فالأراضي
المتأثرة بالملوحة تحتاج إلى تحديد مصدر الأملاح وكفاءة الصرف، بينما
تحتاج الأراضي منخفضة المادة العضوية إلى تحسين إدارة بقايا النباتات
وتقليل اضطراب التربة واستخدام المصادر العضوية المعالجة والآمنة عند
الحاجة، بما يسهم في تحسين بنية التربة ورفع قدرتها على الاحتفاظ
بالمياه.
وأوضحت الباحثة في المركز الوطني للبحوث الزراعية المهندسة إسلام
العسولي، أن اختيار النباتات في الأراضي الهامشية يجب أن ينطلق من قدرة
الموقع على توفير احتياجاتها، وليس من الإنتاجية النظرية التي يمكن
تحقيقها في الظروف المثالية.
وتشير العسولي إلى أن معايير الاختيار تشمل الاحتياجات المائية، وعمق
وانتشار المجموع الجذري، وتحمل الجفاف والملوحة، وكفاءة استخدام المياه،
والقدرة على الاستمرار والتجدد في الظروف المحلية، موضحة أن اختيار
النباتات العلفية أو الأشجار والشجيرات أو الأنواع المحلية يجب أن يتم
وفق طبيعة الموقع وموارده وأهداف استخدامه.
وبينت “وفي الأراضي الزراعية التي تسمح ظروفها بذلك، يمكن دراسة استخدام
أنظمة زراعية مناسبة، بما يراعي احتياجات المياه والتربة ويعزز التنوع
النباتي والاستفادة من الموارد المتاحة، مع التأكيد على أن نجاح أي
محصول زراعي يعتمد على ملاءمته الفعلية للظروف المحلية”.
وأكد العسولي أن نجاح عملية الاختيار النبات المناسب لهذه الأراضي لا
يقاس فقط بقدرة النبات على الإنبات والنمو في الموسم الأول، وإنما
بقدرته على الاستمرار والتجدد وتحمل الجفاف والظروف البيئية السائدة
بأقل احتياجات ممكنة من المياه والمدخلات، وهو ما يجعل اختيار النبات
جزءًا أساسيًا من منظومة التأهيل طويلة الأمد.
وأشارت إلى أنه وبعد تنفيذ التدخلات في هذه الأراضي، تصبح الإدارة
والمتابعة عنصرًا حاسمًا في المحافظة على النتائج، من خلال حماية الغطاء
النباتي، وتنظيم الاستخدام، ومنح النباتات الوقت الكافي للنمو والتجدد،
ومراقبة رطوبة التربة والانجراف والتغير في الغطاء النباتي والإنتاجية.
كما يمكن في الأراضي الزراعية القابلة للإنتاج دعم استدامة التربة
واستخدام المحاصيل البينية، وإدخال البقوليات في الدورة الزراعية،
وتقليل فترات انكشاف التربة.
ويتيح هذا النهج بحسب المختصون، بناء برامج تأهيل عملية في الأردن تبدأ
بتصنيف المواقع وفق العامل المحدد للإنتاج، وإعداد بطاقة تشخيص لكل
موقع، وتحديد التدخل المناسب، وتنفيذ وحدات تجريبية قبل التوسع، ثم
اختيار النباتات الملائمة ووضع برنامج للمتابعة والتقييم.
()
زش/م د/أس
