رسمي خزاعلة- في ظل التحديات التي يواجهها سوق
العمل الأردني، تبرز المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر كأحد المسارات
المحورية، لتوفير فرص العمل للشباب، وتعزيز الاعتماد على الذات، وتحويل
الأفكار والمهارات إلى أنشطة اقتصادية منتجة تسهم في تحسين دخل الأسر
ودعم الاقتصاد المحلي.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية متزايدة، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة التي
أصبحت تشكل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً، رغم التحسن الذي طرأ على
معدلاتها في الآونة الأخيرة، نظراً لقدرتها على توفير مصدر دخل لصاحب
المشروع، وخلق فرص عمل إضافية، وتحريك النشاط الاقتصادي في المحافظات،
واستثمار الموارد المحلية، وفتح مجالات جديدة أمام الشباب بعيداً عن
انتظار الوظيفة التقليدية، وفقا لتصريحات مختصين لوكالة الأنباء
الأردنية () بهذا الخصوص.
وأشارت مديرة مشروع «سوق من أجل الجميع»، المتخصص في دعم المشاريع
الصغيرة، المهندسة يارا الجعافرة، أنه في ظل محدودية قدرة سوق العمل على
استيعاب جميع الشباب، أصبح تشجيعهم على تأسيس مشاريعهم الخاصة أحد
الحلول المطروحة لمعالجة البطالة، خصوصاً عندما يقترن التمويل بالتدريب
والإرشاد وتطوير المهارات ودراسة السوق.
وأكدت، أن التجارب المحلية تشير إلى أن نجاح المشروع الصغير لا يعتمد
على توافر رأس المال وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الفكرة
ودراسة الجدوى، مروراً بالتدريب والإدارة والتسويق، وصولاً إلى تطوير
المنتج والوصول إلى الأسواق والاستفادة من التكنولوجيا.
وقالت، إن المؤسسات المعنية، الحكومية والخاصة، إلى جانب المنظمات
الدولية، تسعى إلى توفير برامج تجمع بين الدعم المالي والفني، بهدف
تعزيز استدامة المشاريع وتقليل احتمالات تعثرها، حيث تُطلق هذه الجهات
بصورة دورية برامج تستهدف تحفيز إنشاء المشاريع متناهية الصغر والصغيرة،
وتوفير فرص التشغيل الذاتي، وتعزيز قدرات أصحاب المشاريع الناشئة، لا
سيما الشباب والنساء.
وبيّنت، أن هذه البرامج تعكس تحولاً تدريجياً في التعامل مع قضية
البطالة، من خلال توفير فرص اقتصادية تمكّن الشباب من تأسيس أعمالهم
الخاصة والمساهمة في تشغيل آخرين مع تطور مشاريعهم وتوسعها، وأن تحقيق
هذا النجاح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتدريب المهني والتقني المستمر،
وتنمية المهارات والقدرات الإدارية والمالية، إذ تشكّل هذه العناصر
مجتمعةً قاعدةً لإنشاء مشاريع صغيرة قابلة للاستمرار والنمو في مجالات
متعددة، مثل الصناعات الحرفية، والصيانة، والخدمات الرقمية، والزراعة،
والتصنيع الغذائي، والطاقة، والخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا.
من جانبه، قال مدير مشروع “تحسين سبل العيش” الذي تنفذه مؤسسة نهر
الأردن محمد العبادي، إن البعد الجغرافي للمشاريع الصغيرة يكتسب أهمية
خاصة في الأردن، إذ يمكن لهذه المشاريع أن تسهم في الحد من تمركز فرص
العمل في العاصمة، وتوفير مصادر دخل داخل المحافظات والألوية، واستثمار
المزايا النسبية لكل منطقة، سواء في الزراعة أو السياحة أو الصناعات
الغذائية أو الحرف أو الخدمات.
وأضاف، أن المشروع الصغير في قرية أو لواء لا يمثل نشاطاً اقتصادياً
فردياً فقط، بل يمكن أن يتحول إلى حلقة في سلسلة اقتصادية محلية، تبدأ
من الإنتاج وتنتهي بالتسويق، مروراً بالنقل والخدمات والتعبئة والتغليف
والتجارة، الأمر الذي يخلق أثراً يتجاوز صاحب المشروع إلى المجتمع
المحيط به.
وأكد على أهمية المشاريع الريفية التي يمكن أن تربط التشغيل بالتنمية
المحلية، خصوصاً مع البرامج التي تستهدف الاستثمار في المجتمعات الريفية
وتحسين مصادر الدخل، مشيراً إلى أن الطريق أمام المشاريع الصغيرة ليس
خالياً من التحديات، فالكثير من الشباب يمتلكون أفكاراً جيدة، لكنهم
يحتاجون إلى المعرفة بكيفية تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للاستمرار.
مبيناً أن بعض المشاريع تواجه صعوبات مرتبطة بالتسويق، وارتفاع
التكاليف، والوصول إلى التمويل، والمنافسة، وعدم امتلاك الخبرة الكافية
في الإدارة والمحاسبة والتسويق الرقمي.
وأكد، أن معالجة البطالة من خلال المشاريع الصغيرة لا ينبغي أن تقوم على
توفير التمويل فقط، بل على بناء منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الأفكار
والمهارات، ثم تدريب أصحابها، ومساعدتهم على إعداد خطط الأعمال، وتوفير
التمويل المناسب، ومتابعة المشاريع في مراحلها الأولى، وربطها بالأسواق
وسلاسل التوريد، مؤكداً أن مؤسسة نهر الأردن قامت خلال السنوات الأخيرة
بتدريب الآف الشباب على كيفية إدارة المشاريع من النواحي المالية
والفنية والتسويقية ووفرت لهم الدعم الكافي لإنشاء مشاريعهم الصغيرة.
وتؤكد الباحثة في مجال الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي هبة حماد، أن
التحول الرقمي يفتح أمام الشباب فرصاً جديدة لم تكن متاحة بالسهولة
ذاتها في السابق، إذ يمكن للمشروع الصغير أن يصل إلى الزبائن عبر منصات
التواصل والتجارة الإلكترونية، وأن يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في
التسويق وتحليل احتياجات السوق وإدارة المحتوى، ما يقلل بعض تكاليف
التشغيل ويتيح الوصول إلى أسواق أوسع.
وبينت، أن هنالك دوراً اساسياً للجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب في
نشر ثقافة ريادة الأعمال، نحو تمكين الشباب من امتلاك الخيارات إذا ما
حالت الظروف دون وجود وظيفة مناسبة، بحيث تتوفر لديه المهارات والمعرفة
التي تمكنه من إنشاء نشاط اقتصادي مبني على الدراية والمعرفة والمهارة
يساعده على التخلص العمل المنتج والتخلص من البطالة.
واكدت، أن التجربة الأردنية المتراكمة تشير إلى أن دعم المشاريع
الصغيرة يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما تتشارك فيه الحكومة والقطاع
الخاص والمؤسسات التمويلية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، بحيث
تتكامل الأدوار بين التدريب والتمويل والتسويق وتسهيل الإجراءات، وأن
توجيه جزء من هذه المشاريع نحو قطاعات إنتاجية واعدة، مثل التكنولوجيا،
والطاقة المتجددة، والزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والسياحة،
والخدمات الرقمية، يمكن أن يعزز قدرتها على النمو ويمنح الشباب فرصاً
تتناسب مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد.
()
رخ/ي م/م ق
