زياد الشخانبة- لم تعد مواجهة الملوحة في وادي
الأردن خياراً مؤجلاً، بل ضرورة للحفاظ على مورد زراعي وإنتاجي مهم
بالمملكة، وأن نجاح جهود الاستصلاح لا يقاس فقط بانخفاض مستوى ملوحة
التربة والتوصيل الكهربائي (EC)، وإنما بقدرة الأرض على استعادة
إنتاجيتها والمحافظة عليها بصورة مستدامة، مع ضمان الاستخدام الرشيد
للمياه والموارد الزراعية.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التربة في وادي الأردن متأثرة بالملوحة
بنسبة 63 بالمئة، بينما 46 بالمئة من الترب الملحية ضمن مستويات الملوحة
المتوسطة إلى الشديدة، كما أظهرت وجود تفاوتاً في قيم التوصيل الكهربائي
لمستخلص التربة المشبع (ECE)، إذ تراوحت القيم في الطبقة السطحية بين
نحو 4.5 و14.1 ديسي سيمنز/متر في المواقع التي شملتها الدراسات، بما
يعكس التباين المكاني في مستويات الملوحة وخصائص الأراضي في المنطقة.
كما بينت دراسة حديثة ركزت على شمال وادي الأردن، استمرار تفاوت مستويات
الملوحة وارتباطها بجودة مياه الري وممارسات إدارة المياه والتربة،
الأمر الذي يؤكد أهمية تبني ممارسات أكثر كفاءة في إدارة مياه الري
وتحسين إدارة التربة للحد من تراكم الأملاح والحفاظ على الإنتاجية
الزراعية واستدامة الموارد الطبيعية في وادي الأردن.
وقال مختصون لوكالة الأنباء الأردنية ()، إن مواجهة الملوحة لا يمكن
أن تعتمد على إجراء منفرد، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بتشخيص
التربة ومياه الري وتحديد مصادر الأملاح، مروراً بتحسين كفاءة الري
والصرف، وانتهاءً باختيار المحاصيل والأصناف المناسبة والاستفادة من
النباتات المتحملة للملوحة.
وأضافوا، أنه من الضروري اختيار المحاصيل والأصناف المتحملة للملوحة
وإضافة المواد العضوية وبعض محسنات التربة المناسبة في تحسين عدد من
الخصائص الفيزيائية والكيميائية للتربة وتهيئة بيئة أفضل لنمو الجذور،
شريطة اختيارها وفق طبيعة التربة ونتائج التحاليل، وعدم التعامل معها
كحل منفرد لمشكلة الملوحة.
وقال أستاذ فسيولوجيا النبات في قسم البستنة والمحاصيل بالجامعة
الأردنية الدكتور جمال عياد، إن تأثير الملوحة في النبات يبدأ بصورة
أساسية من منطقة الجذور، حيث يؤدي ارتفاع تركيز الأملاح في محلول التربة
إلى خفض الجهد المائي، ما يجعل امتصاص النبات للمياه أكثر صعوبة.
وأوضح، أن النبات تحت هذه الظروف يتعرض لما يعرف بـالإجهاد الأسموزي،
وقد يصاحب ذلك اختلال في امتصاص العناصر الغذائية وتراكم بعض الأيونات،
خصوصاً الصوديوم والكلوريد، داخل الأنسجة النباتية، الأمر الذي ينعكس
سلباً على عمليات النمو والإنتاج عندما تتجاوز الملوحة حدود تحمل النبات.
وأشار عياد إلى أن النباتات لا تستجيب للملوحة بالطريقة نفسها، إذ تختلف
قدرتها على التحمل بحسب النوع والصنف ومرحلة النمو والظروف البيئية،
مبيناً أن بعض النباتات تمتلك آليات فسيولوجية تساعدها على التكيف مع
الظروف الملحية والمحافظة على قدر من النمو والإنتاج.
من جهتها، أشارت الباحثة في المركز الوطني للبحوث الزراعية الدكتورة لمى
حمدي، إلى أهمية الزراعة الذكية مناخياً والزراعة الدقيقة تمثلان مساراً
مهماً للحد من مخاطر الملوحة مستقبلاً، من خلال استخدام الري بالتنقيط
والري الذكي وحساسات رطوبة وملوحة التربة وربطها بالاحتياجات الفعلية
للمحصول، بما يسمح بضبط كميات مياه الري والأسمدة وتقليل الفاقد
والإفراط في استخدام المدخلات الزراعية.
وبينت، أن الحلول القائمة على الطبيعة يمكن أن تكمل هذه التقنيات، من
خلال استخدام المادة العضوية والكمبوست المناسب والتغطية العضوية
الطبيعية للتربة بالمخلفات النباتية، لما لها من دور في تقليل التبخر
والمحافظة على رطوبة التربة وتحسين كفاءة استخدام المياه، مع ضرورة
التأكد من نوعية المواد العضوية ومحتواها من الأملاح قبل استخدامها،
وعدم التعامل معها كحل منفرد لمشكلة الملوحة.
وشددت على ضرورة إدارة نوعية مياه الري وفق حساسية المحاصيل وقيمتها
الاقتصادية، وعدم التعامل مع جميع الأراضي والمحاصيل بالطريقة نفسها،
بحيث تُخصص، قدر الإمكان، المياه الأقل ملوحة للمحاصيل الأكثر حساسية
والأعلى قيمة للمحافظة على إنتاجيتها وجودتها، وخصوصاً الحمضيات
والليمون في شمال وادي الأردن، مع إمكانية استخدام المياه الأعلى ملوحة
بصورة مدروسة للمحاصيل الأكثر تحملاً، كما يمكن، عند توفر مصادر مياه
مختلفة، دراسة خلطها بنسب مناسبة للوصول إلى نوعية مياه تتوافق مع
متطلبات المحصول وظروف التربة.
بدوره، قال الدكتور يزيد الرقاد من مديرية زراعة محافظة العاصمة، إن
توظيف المحاصيل العلفية المتحملة للملوحة يمكن أن يمثل أحد الخيارات
الزراعية العملية لإعادة إدخال الأراضي المتأثرة بالملوحة إلى دائرة
الإنتاج، موضحاً أن الدراسات الميدانية التي أجراها، بيّنت قدرة
المحاصيل العلفية التي زُرعت تحت ظروف الملوحة على تحمل مستويات الملوحة
والحفاظ على إنتاجيتها ضمن الظروف الملحية، الأمر الذي يعزز إمكانية
توظيف هذه المحاصيل في الأراضي المتأثرة بالملوحة.
وبين، أن نتائج الدراسة التي قام بها أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في قيم
التوصيل الكهربائي للتربة (EC) خلال فترة الدراسة، إذ انخفضت إحدى القيم
من نحو 12 إلى 2 ديسي سيمنز/متر، في حين انخفضت قيمة أخرى من نحو 38 إلى
18 ديسي سيمنز/متر، بما يعكس تحسناً في الحالة الملحية للتربة، ويدعم
إمكانية الاستفادة من بعض المحاصيل العلفية المتحملة للملوحة ضمن برامج
إدارة واستصلاح الأراضي المتأثرة بها.
وأشار إلى أن أهمية المحاصيل العلفية المتحملة للملوحة تتجاوز مجرد تحمل
الإجهاد الملحي، إذ يمكن أن توفر محصولاً علفياً قابلاً للاستفادة منه
خلال الفترة التي تخضع فيها الأرض لبرامج التحسين والاستصلاح، وهو ما
يفتح المجال أمام مفهوم «الإنتاج أثناء الاستصلاح»، أي استغلال الأرض
اقتصادياً بالتوازي مع تنفيذ إجراءات معالجة التملح، بدلاً من انتظار
اكتمال عملية الاستصلاح قبل إعادة الأرض إلى الإنتاج.
()
زش/ي م/م ق
