عمان 24 حزيران من بشرى نيروخ- فرض الذكاء الاصطناعي سطوته على
صناعة المحتوى وغرف الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، في ظل منافسة
شرسة تهدد من لا يلحق بالركب بالاضمحلال أمام وحش الخوارزميات.
وقال متخصصون ل إن تحول معايير الإنتاج
الإعلامي وسلطة الخوارزميات في الفضاء الرقمي، تحث على إيجاد توازن دقيق
بين الابتكار والمسؤولية الاجتماعية لضمان مستقبل صناعة المحتوى العربي.
وأضافوا أن المطلوب اليوم ليس رفض التكنولوجيا ولا الانبهار غير النقدي
بها، بل تطوير ثقافة مهنية جديدة تجعل الأدوات الذكية في خدمة المعرفة
والتحقق، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي لا يشكل تهديدا إلا عندما يستخدم
خارج الضوابط الأخلاقية والتحريرية.
وبحسب دراسة متخصصة أعدتها الدكتورة حنان عريبي فإن دمج التربية
الإعلامية والرقمية في برامج التعليم تسلح الجيل الجديد بالقدرة على
تمييز المحتوى الأصيل من المزيف، وإلزام المؤسسات الإعلامية بانتهاج
سياسات تحريرية مكتوبة تحدد بوضوح حدود المسموح والممنوع، ومتى يجب
التصريح للجمهور باستخدام هذه التقنيات.
وتضيف أن فحص الخطاب النقدي والإعلامي في ضوء المقاربات السيميائية (علم
الرموز والدلالات) والتداولية المعاصرة يكشف عن عمق الأثر المعرفي الذي
تتركه البيئة الرقمية الجديدة في تشكيل الوعي الجمعي، فلم يعد المتلقي
مجرد مستهلك سلبي، بل شريكا ورسولا يعيد بث الرسائل وفق ما تمليه
تفاعلات الخوارزمية، ما يستوجب بناء سياسات حوكمة رشيدة تقوم على
الشفافية والمساءلة، وحماية الجمهور من التضليل.
وأشار أستاذ الإعلام الرقمي المشارك في جامعة الشرق الأوسط الدكتور
محمود الرجبي إلى تقرير “وندركرافت” لعام 2025 الذي أظهر أن 83 بالمئة
من صناع المحتوى والمسوقين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في مرحلة واحدة
على الأقل من عملهم، بينما يتكئ 39 بالمئة منهم عليه في معظم عمليات
الإنتاج.
ولفت الرجبي إلى أن الأدوات الذكية مثل (تشات جي بي تي) و(ميدجورني)
و(إيليفن لابس) فتحت آفاقا مذهلة لرفع الكفاءة وخفض التكاليف، بحيث بات
بمقدور شخص واحد إنتاج فيديو احترافي عالي الجودة كان يتطلب في السابق
فريقا كاملا من الكتاب والمصورين والقائمين على المونتاج والإخراج.
ويحذر الرجبي في الوقت نفسه مما قد يقع من أخطاء نتيجة توليد معلومات
مغلوطة وبيانات غير صحيحة ومخاطر تراجع المهارات التحليلية والتفكير
النقدي والكتابي لدى صناع المحتوى نتيجة الاعتماد المفرط على هذه
التقنية.
ويوضح أن الاتجاه المتزايد نحو أتمتة النشر وإدارة الحسابات الرقمية عبر
خوارزميات التوصية الذكية يولد نمطية بصرية وسردية متشابهة ومكررة تهدد
التميز الشخصي وتجعل التنافس في الفضاء الافتراضي أكثر تعقيدا وشراسة.
وفي شأن رصد اتجاهات الممارسين في الميدان، يظهر تقرير انتشار الذكاء
الاصطناعي الصادر عن معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي لدى “مايكروسوفت”
للنصف الثاني من عام 2025، أن الأردن يحتل المرتبة الثالثة عربيا
والتاسعة والعشرين عالميا في مؤشر انتشار هذه التقنية بين السكان في سن
العمل بنسبة بلغت 27%، متجاوزا المتوسط العالمي المستقر عند 16.3%، في
حين تتصدر الإمارات المشهد العالمي بنسبة 64% وتليها قطر بنسبة 38.3%.
ويعكس التميز الأردني تناميا ملحوظا في الحاضنة الرقمية المحلية، وهو ما
تؤكده جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات في الأردن “إنتاج”
استنادا لبيانات تقرير (داتاريبورتال) لعام 2025، حيث قفز عدد مستخدمي
الإنترنت في المملكة إلى 10.7 مليون شخص بنسبة انتشار بلغت 92.5%، بينما
وصل عدد مستخدمي شبكات التواصل إلى 6.45 مليون شخص، وتصدرت منصة
(يوتيوب) الواجهة بـ 6.45 مليون مستخدم تلتها (فيسبوك) بـ 5.45 مليون
مستخدم.
وأعد الباحثان الدكتور إبراهيم الخصاونة والدكتور عبد الكريم الدبيسي
دراسة نشرت في مجلة دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية الصادرة عن
الجامعة الأردنية لعام 2025، شملت عينة 100 إعلامي في عمان، وأظهرت
نتائجها اتجاهات مرتفعة جدا تثق بقدرة المضامين المدعومة بالذكاء
الاصطناعي على تطوير الرسالة الإعلامية وجذب الجمهور وتسهيل معايشة
الأحداث وتحديد عادات المشاهدة بدقة عبر خاصية التخصيص، ما يفرض على
وسائل الإعلام المحلية تحديث استراتيجياتها لمواكبة هذا التطور وتطوير
إمكانياتها الذاتية لزيادة كفاءة العمل ومواجهة طفرة الإنتاج المستقل.
ورصدت الدكتورة ياسمين عطا الله أحمد باكير في دراسة نشرتها المجلة
المصرية لبحوث الإعلام الصادرة عن جامعة القاهرة لعام 2026، مفارقة
إبداعية لافتة تتمثل في قلق 48.9% من الخبراء على تآكل أصالة المحتوى
البشري، الأمر الذي دفع الممارسين لتبني نموذج التفاعل المشترك القائم
على إبقاء الإنسان في حلقة التوجيه والرقابة، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي
كأداة مساعدة في معالجة البيانات وصياغة المسودات الأولية مع الحفاظ
الصارم على الإشراف التحريري اليدوي لضمان البصمة البشرية، وهي الرؤية
التكاملية التي حظيت باتفاق 67.7% من عينة دراستها.
وتعزز الاستدامة الاقتصادية التي توفرها البرمجيات الناشئة فرص صمود
المنصات المستقلة، بحسب الدراسة التي تشير إلى أن النجاح الحقيقي يبقى
رهين صياغة أطر أخلاقية صارمة للتحقق من المعلومات، وتطوير نماذج لغوية
تدعم اللهجات العربية المحلية بكفاءة، ودمج تخصصات “هندسة الأوامر”
وتحليلات البيانات الضخمة في صلب المناهج الأكاديمية لتأهيل جيل إعلامي
قادر على قيادة الآلة لا الانقياد الأعمى خلف مخرجاتها الجاهزة.
وينبه المدرب المتخصص في تدقيق المعلومات وتقنيات الذكاء الاصطناعي،
حازم الطقاطقة، إلى المهارات الجديدة التي فرضتها هذه الطفرة على صانع
المحتوى المعاصر، والذي تحول من مجرد جامع للمعلومات ومعد تقليدي إلى
مخرج ومخطط يصف رؤيته الفنية للآلة لتنفذها بحرفية عالية تسهم في تنقية
الصوتيات وتصحيح الألوان وتوليد المواد البصرية المساعدة في دقائق
معدودة.
ويرى أن خوارزميات المنصات باتت توازن جزئيا بين الأسماء الكبيرة
والصناع الجدد عبر توزيع المحتوى لجمهور مخصص مهتم بالنوعية، مستدركا
بأن الفروقات المالية تمنح الرواد والمحترفين أفضلية واضحة في شراء
أدوات التحليل المدفوعة وخدمات الإعلانات الموجهة للحفاظ على مكتسباتهم
الانتشارية السابقة.
ويشدد على ضرورة امتلاك مهارات احترافية في هندسة الأوامر وتحليل
البيانات الضخمة، لاسيما في المحتويات السياسية والتاريخية والاقتصادية
التي تتطلب دقة متناهية، مع التركيز على مهارات تدقيق المعلومات لمواجهة
الانحياز الخوارزمي والتكرار الأسلوبي الممنهج.
ويوضح الخبير القانوني المتخصص في قضايا الإعلام والنشر والجرائم
الإلكترونية، المحامي خالد خليفات، أن القواعد العامة في التشريعات
الأردنية الحالية تعد كافية مؤقتا لمعالجة قضايا الذكاء الاصطناعي
وتحقيق الاستقرار القضائي والتشريعي إلى حين صدور قانون خاص تفصيلي ينظم
آلية توليد التقنية واستخدامها ويحدد الأفعال التي تشكل جرما قانونيا
صريحا يعاقب عليه.
ويؤكد خليفات أن المحتوى المولد برمجيا يحظى بحماية الملكية الفكرية
كـمصنف محمي بموجب القانون طالما تقف وراء توجيهه ومدخلاته أيد بشرية
تملي على الخوارزمية البيانات وتصيغ الأوامر.
وبين أن نظام تنظيم الإعلام الرقمي في الأردن دخل دائرة الإلزام
القانوني الصارم؛ وتحديدا المادة 18 منه التي تحتم على صناع المحتوى
والمرخص لهم الإفصاح صراحة وبشفافية تامة لجماهيرهم عند استخدام تقنيات
الذكاء الاصطناعي في إنتاج مضامينهم الإعلامية أو الرقمية بالكامل أو
جزئيا.
ويتلخص المشهد الراهن في كون صناعة المحتوى الرقمي دخلت بالفعل نفق
التنافس الرمزي والاقتصادي الأشرس منذ ظهور الإنترنت، حيث غدت السمعة
الرقمية وبناء الرأي العام ساحة صراع تديرها خوارزميات غير محايدة تمثل
سلطة رمزية خفية تملك القدرة على منح التميز لأطراف ودفع أخرى نحو
التهميش والإقصاء.
ويستدعي هذا التحول التكاملي المزج الدقيق بين أدوات التحليل الإعلامي
والتقني والأخلاقي والسوسيولوجي لفهم أبعاد البيئة التكنولوجية
المعاصرة، إذ لم تعد مقولة”المحتوى هو الملك” صالحة للبقاء وحيدة في
الميدان ما لم تقترن بقدرة الآلة على الاكتشاف، وإعادة التداول،
والتخصيص الذكي المبني على رصد المعطيات وتحليل سلوك المتلقين.
لكن الرهان الحقيقي ومفتاح النجاح المستقبلي يبقى بيد صناع المحتوى
والمؤسسات الإعلامية الواعية التي ترفض الانصياع الكلي للآلة أو
الانبهار غير النقدي بها، وتعمل في الوقت ذاته على استغلال قدراتها
الفائقة لرفع كفاءة الإنتاج والاستدامة الاقتصادية، مع التمسك الصارم
بالبصمة البشرية، والأصالة الإبداعية، والالتزام التشريعي والأخلاقي،
لكون التوازن الذكي بين عقل الإنسان وكفاءة الآلة هو الضمانة الوحيدة
لإنتاج معرفة رقمية حقيقية، قادرة على البقاء والتأثير في عالم رقمي
تلتهم خوارزمياته كل ما هو نمطي ومكرر.
ب ن
