عمّان 6 تشرين الثاني زياد الشخانبة- بدأت في عمّان اليوم الجمعة، أعمال "مؤتمر العرب المسيحيين الثاني" تحت عنوان "أصالة الإيمان وعروبة الهُوية"، بتنظيم جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية وبالتعاون مع المبادرة العربية المسيحية "عروبة"، بمشاركة واسعة من شخصيات عربية ودولية.
ويناقش المؤتمر في دورته الحالية التي تستمر يومين، موضوع "بدعة المسيحية المتصهينة" كقضية فكرية لاهوتية وخلافية تركت أثرًا في الخطاب الديني والسياسي بالمنطقة.
ويهدف المؤتمر إلى تتبع نشأة هذه الأطروحات ومزاعمها وتفنيدها ودحضها وإسهامات العرب المسيحيين في مواجهة هذا الخطاب، وبيان انعكاساته السياسية على القضية الفلسطينية، مع توضيح الفارق بين جوهر الإيمان المسيحي الأصيل والتفسيرات الموظفة لخدمة مشاريع سياسية وأيديولوجية .
ويرأس المؤتمر الدكتور همام غصيب، بحضور ضيفي الشرف: الدكتور علي محافظة، والدكتور يعقوب خليل من لبنان، وحضور نائب رئيس الوزراء ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية مهند شحادة، ومشاركة نخبة متميزة من الأكاديميين والباحثين واللاهوتيين ورجال الدين من الأردن وفلسطين ولبنان والمملكة المتحدة.
وشهد حفل الافتتاح الذي قدمته منى عيّاش، حضور ممثلين عن الهيئات الدبلوماسية العربية والأجنبية وشخصيات سياسية واقتصادية ودينية وثقافية، وكلمات رئيسية، ومشاركة كورال المدرسة الوطنية الأرثوذكسية والتي قدمت أنشودة "موطني".
وقالت رئيسة الهيئة الإدارية لجمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية المهندسة نرمين سنداحة، إن المؤتمر يتتبّع نشأة خرافة المسيحية المتصهينة، وبيان جذورها الفكرية وتطورها التاريخي ومزاعمها اللاهوتية، وتفنيد هذه الطروحات ودحضها في ضوء الكتاب المقدس والتقليد الكنسي، ومن الشواهد الأثرية والمنظور التاريخي وتسليط الضوء على المبادرات الدولية والكنسية التي تتصدى لها.
وأضافت أن المؤتمر يسعى إلى إبراز دور الفكر التنويري العربي وإسهامات العرب المسيحيين في مواجهة هذا الخطاب وكشف تناقضاته، ودراسة انعكاساته السياسية على القضية الفلسطينية، قائلةً: "في الوقت نفسه، يعمل المؤتمر على توضيح الفارق بين جوهر الإيمان المسيحي الأصيل وبين التفسيرات التي جرى توظيفها لخدمة مشاريع سياسية وأيديولوجية".
وأوضحت أن اختيار عنوان هذه الدورة "أصالة الإيمان وعروبة الهوية" يأتي انطلاقا من قناعتنا الراسخة بأن العرب المسيحيين جزء أصيل من تاريخ هذه المنطقة وهويتها الحضارية، مؤكدة على دور الوصاية الهاشمية في الحفاظ على الوجود المسيحي والإسلامي في القدس الشريف، مشيرة إلى أن المسيحيين أسهموا عبر القرون في النهضة الفكرية والثقافية ومسيرة التعليم وبناء الدولة الحديثة في ظل مشاركتهم الفاعلة في بناء مجتمعاتهم وأوطانهم.
واستذكرت العمل الإرهابي الذي استهدف أبناء الوطن في حمود بمحافظة الكرك، والعمل الإرهابي الذي أودى بحياة الشهيد جواد السلايطة، قائلةً "وإننا إذ ندين هذه الجرائم النكراء بأشد العبارات، نؤكد أن استهداف الأبرياء هو اعتداء على قيم الوطن والإنسانية، وعلى النسيج الوطني الذي يجمعنا، ولن يزيدنا إلا تمسكا بوحدتنا وقيادتنا وأن الأردن سيبقى نموذجا للوحدة الوطنية ومثل هذه الأعمال الجبانة لن تنال من تماسك مجتمعنا، ولا من قيمه الراسخة .
وفي كلمة لرئيس مجلس الكنائس في الأردن مطران الأردن للروم الأرثوذكس المطران خريستوفوروس عطا الله، ألقاها نيابةً عنه، قدس الأرشمندريت فئنذكنوس، الذي قال إن "وجودنا المسيحي في المشرق ليس مجرد امتداد تاريخي أو حضور ديموغرافي، بل هو شهادة إيمانية وحضارية متجذرة في المكان والزمان".
وأضاف أنه في هذه الأرض وُلِدت المسيحية، ومنها انطلقت بشارة الإنجيل، وعلى ترابها تشكلت الكنائس الأولى للكنيسة، مبيناً أن الوجود المسيحي في الأرض المقدسة ليس قضية جماعة تبحث عن ضمانات لبقائها، وإنما هي جزء أصيل من هوية المكان وذاكرته الروحية والحضارية.
وأضاف المطران عطالله، أن عالم تتصاعد فيه خطابات التطرف والانغلاق، تبرز فيه مسؤوليتنا في مواجهة كل توظيف للدين يناقض جوهر رسالته، سواء أكان ذلك في أشكال التطرف المسيحي القائمة بالمسيحية الصهيونية والذي يسخّر اللاهوت لخدمة مشاريع سياسية وإقصائية، أم في أشكال التطرف الإسلامي الذي يختزل الدين في الإلغاء والتشدد.
وبيّن أن الإيمان الذي لا يصون كرامة الإنسان يفقد رسالته الأخلاقية، والدين الذي يتحول إلى أداة للكراهية ينقض الغاية التي جاء من أجلها، ومن هنا، تصبح المعرفة والحوار والاعتدال مسؤوليات حضارية، لا مجرد خيارات ثقافية، مؤكداً اعتزازه بالتجربة الأردنية التي تشكل نموذجاً في الشراكة الوطنية والعيش الواحد، وأنه بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ووعي الأردنيين عصيٌّ على كل مخرب متطرف مسيء.
وأكد أن المسيحيين والمسلمين نسجوا في المشرق على امتداد 14 قرناً، تاريخاً مشتركاً لم تصنعه المصالح العابرة، بل صاغته الجغرافيا والذاكرة والتفاعل الإنساني والحضاري.
وقال رئيس المؤتمر (المفكر - أستاذ شرف في قسم الفيزياء في الجامعة الأردنية) الدكتور هُمام غصيب، إن الغاية الأساسية تتمثل في التصدي لبدعة "الصهيونية المسيحية" المنتشرة بالغرب، مبيناً أن هذه الحركة تُعد صهيونية مكتملة الأركان وفصيلاً فرعياً منها، لامتلاكها تأثيراً سياسياً وإعلامياً طاغياً في الولايات المتحدة، ودعماً مطلقاً ومستمراً للاحتلال بالمال والسلاح منذ ما قبل نكبة عام 1948.
وأضاف الدكتور غصيب أن هذه الحركة الهدامة، التي برزت بذورها تاريخياً منذ القرن السابع عشر واقترح تسميتها بـ "الصهيونية الأصولية"، تتبنى الرواية الصهيونية وخزعبلاتها بالكامل، ووصلت إلى حد تأييد الإبادة الجماعية في غزة واستهداف المدنيين والجرائم في الضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا، متسائلاً عما تبقى من مسيحيتها وإنسانيتها أمام هذا التأييد الأعمى.
وأشار الدكتور غصيب إلى أن المؤتمر يهدف إلى بلورة خطاب لاهوتي عربي أصيل يتصدى لمزاعم هذه الحركة بالحجج العقلانية والبراهين والأسانيد من منظورات متعددة، وهو ما يقدمه علماء وباحثون ثقات خلال الجلسات، مقترحاً إعداد "كتاب المؤتمر" بالنسختين العربية والإنجليزية، وإطلاق "بث رقمي" (بودكاست) لكل مادة علمية لضمان نقل الفلسفة والمضامين للإعلام العربي والأجنبي بدقة وإتقان.
وأعرب عن أمله في أن تسير سلسلة المؤتمرات بخطين متوازيين؛ خط يعتمد المنهج العلمي الصارم المستند للوثائق والأرشيفات الكنسية والمصادر الأصيلة الموجهة للمتخصصين، وخط ينتهج الأسلوب الصحفي الميسر الذي يضع زبدة البحوث والأفكار بين يدي عامة المثقفين والمتابعين.
وأعرب ضيف المؤتمر (الأرشمندريت - عميد معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند/لبنان) الدكتور يعقوب خليل، عن تضامنه الكامل مع أهالي ضحايا الاعتداءات الآثمة التي استهدفت كنيسة حمود في مدينة الكرك والشرطي جواد السلايطة، مقدماً التعازي باسم جامعة البلمند لأهالي الشهداء، مشدداً على أن التطرف أعمى لا يفرق بين مسلم ومسيحي، وأن الأردن سيبقى بوحدته عصياً على كل محاولات الفتنة وواحة للأمن والسلام.
وثمّن دور ونشاط جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية وتاريخها العريق، كما أثنى على اختيارها الموفق للمواضيع الجوهرية التي يطرحها المؤتمر للنقاش في هذه المرحلة الدقيقة، مستذكراً بإعتزاز التعاون الوطيد والمثمر بين معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في جامعة البلمند والجمعية الذي تكلل بإيفاد نحو 25 طالباً لمتابعة دراساتهم اللاهوتية في البلمند، ليعودوا رعاةً وخداماً مؤهلين لكنيستهم ومجتمعهم.
وأوضح أن الأصالة الأرثوذكسية للجمعية تتجلى في "برنامج التأهيل الديني" المتميز، الذي يعبر عن هويتها وحرصها على تنشئة الأجيال على الإيمان القويم، مشيراً إلى إسهام الجمعية في تعزيز قيم المواطنة الصالحة، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتعميق العيش المشترك بين جميع أبناء الوطن الواحد.
وأكد ضيف المؤتمر (مؤرخ وأكاديمي - أستاذ شرف في قسم التاريخ بكلية الآداب في الجامعة الأردنية) الدكتور علي محافظة، أن المسيحيين العرب كانوا في طليعة رواد النهضة العربية الحديثة؛ حيث أسسوا الجمعيات الأدبية والعلمية، وأصدروا الصحف والمجلات، وساهموا بشكل محوري في إحياء اللغة العربية وتجديدها ونشر الوعي القومي، وبرز منهم علماء وأدباء ومفكرون كبار تركوا بصمة جليّة في تاريخ الأمة.
وأشار إلى أن القضية الفلسطينية تشغل أذهان الأردنيين مسيحيين ومسلمين منذ بداياتها، حيث وقف المسيحيون العرب إلى جانب إخوانهم لمواجهة موجات الهجرة اليهودية والمخططات الصهيونية؛ وبرزت شخصيات أردنية مسيحية قدمت دعماً فاعلاً لثورة فلسطين الكبرى عام 1936، وخاضت غمار العمل السياسي والتوعوي دفاعاً عن عروبة فلسطين.
كما أشار إلى ما شهده التاريخ الأردني من مشاركة فاعلة ومستمرة للمسيحيين في مختلف المجالس التشريعية والحكومات وإدارة الدولة منذ عهد الإمارة وصولاً إلى عهد المملكة؛ ومثّلوا نموذجاً يحتذى به في الاندماج والوحدة الوطنية والمشاركة الحقيقية في التنمية وصنع القرار إلى جانب إخوانهم المسلمين في إطار من الاحترام والتقدير المتبادل.
وأضاف أن المسيحيين الأردنيين سجّلوا حضوراً لافتاً وسبّاق في ميادين الأدب والتاريخ والثقافة، إلى جانب تميزهم المشهود في مجالات الطب والهندسة والعلوم التطبيقية والبحثية، ليكونوا رافداً أساسياً ومحركاً دؤوباً في مسيرة التطوير والتحديث ومواكبة الأساليب الحضارية المتقدمة، مؤكداً أن الأردنيين برهنوا في كل الأزمات والمآسي على أنهم جسد واحد تجمعهم روابط الأخوة والمواقف المشرفة، متقاسمين الأفراح والأتراح، وواقفين صفاً واحداً في الدفاع عن أمن الوطن وصون كرامته.
ويتضمّن المؤتمر إلى جانب الجلسة الافتتاحية، 4 جلسات تكتسب أهمية استثنائية، إذا تتناول الجلسة الأولى موضوع: تفكيك مزاعم المسيحية المتصهينة ودحضها في ضوء الكتاب المقدّس، والجلسة الثانية: دحض المسيحية المتصهينة من منظور التقليد الآبائي والتأريخ، والجلسة الثالثة موضوع: مواجهة المسيحية المتصهينة على الصعيد الدولي، أما الجلسة الرابعة فتتناول الفكر التنويري العربي في مواجهة المسيحية المتصهينة.
--(بترا) زش/ي م/م ق