سمرقند 23 تشرين الأول صالح الخوالدة- بين القباب الفيروزية والزخارف الملونة والأزقة المرصوفة بالحجارة، تستحضر "المدينة الخالدة" في سمرقند الأوزبكية ملامح المدن التاريخية على طريق الحرير، مقدمة تجربة ثقافية وسياحية تجمع العمارة المستوحاة من التراث، والحرف التقليدية، والمأكولات الشعبية، والعروض الفنية، بمساحة تتيح للزائر التعرف على تنوع أوزبكستان الثقافي والحضاري.
وتقع المدينة ضمن مجمع "سيلك رود سمرقند" السياحي، وتمتد على مساحة يذكر الموقع الرسمي للمجمع أنها تبلغ 17 هكتارا، وتضم شوارع وأجنحة معمارية استلهم تصميمها من البيوت والساحات القديمة، بما يعيد تقديم أجواء المدن الأوزبكية التاريخية في صورة معاصرة، تجمع بين عناصر التراث ومتطلبات التجربة السياحية الحديثة، إذ تبرز بالمكان القباب ذات اللون الفيروزي، والفسيفساء التي تزين الواجهات، والأقواس والمآذن، فيما تتوزع على امتداد الأزقة متاجر وورش لفنانين وحرفيين، تتيح للزوار مشاهدة جوانب من الصناعات اليدوية التي اشتهرت بها مناطق أوزبكستان، والتعرف على المهارات المستخدمة في إنتاجها.
وتضم المدينة أكثر من 50 ورشة عمل، وفقا للموقع الرسمي، تعرض حرفا تقليدية تشمل النقش على الخشب والسيراميك، وصناعة الفخار والورق والمجوهرات والسجاد، والتطريز وصناعة الأزياء الوطنية، فيما تتيح بعض الورش للزوار التعرف عن قرب على مراحل إنتاج القطع الفنية والحرفية. ولا يقتصر التنوع الذي تقدمه المدينة على الحرف والعمارة، إذ يتيح تصميمها التنقل بين أجواء مستوحاة من سمرقند وبخارى وفرغانة وطشقند وخوارزم ومدن ومناطق أوزبكية أخرى، بما يعكس اختلاف التقاليد الفنية والمعمارية والصناعات المحلية من منطقة إلى أخرى.
ويحتل المطبخ الأوزبكي جانبا من التجربة، من خلال مطاعم ومقاه تقدم أطباقا تقليدية من مناطق مختلفة، وفي مقدمتها "البلوف"، وهو طبق الأرز المعروف في البلاد، والسمسا وخبز سمرقند، والحلويات المحلية، في مشهد يعكس ارتباط الطعام بالعادات الاجتماعية وتقاليد الضيافة، كما تضفي العروض الشعبية والفنية على المكان بعدا تفاعليا، إذ لا تقتصر زيارة المدينة على التجول بين المباني ومشاهدة المنتجات المعروضة، بل تشمل التعرف على جوانب من الفنون والممارسات الثقافية الأوزبكية، فيما توفر الورش والمعارض فرصة للاطلاع على أعمال الفنانين والحرفيين.
وتعود فكرة المشروع إلى الفنان الأوزبكي المعاصر بوبور إسماعيلوف، الذي استلهم تصوره من تلاقي الثقافات البارثية والهلنستية والإسلامية، ليقدم نموذجا ثقافيا يجمع عناصر متعددة من تاريخ المنطقة وتراثها في فضاء واحد، وتستمد المدينة جانبا من دلالتها من موقعها في سمرقند، المدينة التي شكلت عبر تاريخها ملتقى للثقافات والحضارات، وازدهرت بصورة بارزة خلال العصر التيموري في القرنين 14 و15، وشهدت تطورا في العمارة والفنون والعلوم، ولا تزال معالمها التاريخية شاهدا على تلك المرحلة.
وتضم سمرقند التاريخية معالم بارزة، من بينها ساحة ريجستان ومدارسها، ومجمع شاه زنده، ومسجد بيبي خانوم، وضريح غور أمير، ومرصد أولوغ بيك، وهي معالم أبرزت قيمتها الحضارية، التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" على قائمة التراث العالمي عام 2001، وعلى خلاف هذه المعالم التاريخية الأصلية، تمثل المدينة مشروعا سياحيا وثقافيا حديثا يستلهم التراث الأوزبكي ويعيد تقديمه من خلال العمارة والحرف والمأكولات والعروض الفنية، في محاولة لإتاحة تجربة تجمع التعرف على التاريخ والاستمتاع بالمظاهر الثقافية في مكان واحد.