دعت ندوة علمية دولية بعنوان “خارج خارطة الشبع: الانطولوجيا المنسية للطفل العربي وهندسة الأمن العربي المستدام” في ختام جلساتها اليوم الأربعاء بدائرة المكتبة الوطنية بعمان، إلى الانتقال بقطاع الطفولة من نموذج “الرعاية الاجتماعية التقليدية” إلى نموذج “الأمن القومي الاستباقي”، نحو المسارات التنفيذية القائمة على التكنولوجيا المتقدمة وهندسة النظم، من خلال أربعة مسارات.
وبينت توصيات الندوة التي جاءت تحت شعار “جوع الطفل ثغرة في جدار الوطن. حماية العقل هي الحصن الأول”، ونظمها منتدى الفكر العربي بالشراكة مع مؤسسة “كن حقيقي (بي آر سي)” بالتعاون مع دائرة المكتبة الوطنية ومدارس السابلة؛ أن المسارات تتمثل بالابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي التنبؤي، والعدالة الجنائية والمنظومة التربوية المتطورة، وتفكيك الجذور الاقتصادية والاجتماعية للجريمة، والاستدامة المعرفية وهندسة الكوادر الوطنية، مستعرضة تفاصيل كل منها.
وقالت القائم بأعمال أمين عام منتدى الفكر العربي الدكتورة أماني جرار في افتتاح الندوة التي أدارها الدكتور منذر النواصرة، إن هذه الندوة تقام بمناسبة اليوم العالمي للطفولة في لحظة تاريخية تتعاظم فيها الأسئلة الكبرى حول الإنسان العربي، ومستقبل الأجيال، ومعنى الأمن الحقيقي في عالم مضطرب تتداخل فيه الأزمات الإنسانية مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والنفسية.
وبينت جرار أن هذه الندوة لا تتناول قضية الجوع بوصفها نقصاً في الغذاء فقط، بل تنظر إليها بوصفها اختلالاً في البنية الإنسانية والحضارية، وثغرةً في جدار الاستقرار الاجتماعي والوطني، مشيرة الى أنه حين يُترك الطفل العربي في مواجهة الحرمان، فإننا لا نخسر طفولةً فحسب، بل نخاطر بخسارة التوازن النفسي والمعرفي والقيمي الذي تقوم عليه المجتمعات والدول.
وقالت، إن ما يميز هذه الندوة هو جرأتها الفكرية في الانتقال من توصيف الظاهرة إلى مساءلة جذورها العميقة، ومن الحديث عن الفقر بوصفه رقماً اقتصادياً إلى فهمه كأزمة وجودية ونفسية وثقافية قد تعيد تشكيل الإنسان العربي من الداخل، ولذلك تأتي محاور الندوة لتفتح نقاشاً معرفياً متقدماً حول الأمن النفسي، وسيكولوجيا العوز، والمرونة العصبية، وهندسة البيئة الحاضنة، بوصفها جميعاً مداخل استراتيجية لإعادة بناء الإنسان العربي القادر على الصمود والإبداع.
بدورها لفتت رئيسة قسم الإعلام والاتصال في دائرة المكتبة الوطنية أحلام النعيمات، إلى أن خارطة “الشبع” التي تنقب عنها الندوة اليوم هي منظومة وجودية متكاملة تتمثل بالشبع الوجداني والعاطفي والمعرفي والثقافي والكينوني، مشيرة الى ان هندسة خارطة الشبع للطفل العربي تعمل على تحصين المناعة الفكرية له واستدامة التنمية وترسيخ الانتماء.
وفي الجلسة الاولى بورقتها التي حملت عنوان “حقوق الطفل وبناء الإنسان: من الحماية إلى الكرامة” لفتت جرار إلى أنه في عالم تتزايد فيه الأزمات الإنسانية، والحروب، والفقر، والنزوح، لم تعد حقوق الطفل قضية هامشية تُناقش في المؤتمرات والمواثيق الدولية فحسب، بل أصبحت معياراً أخلاقياً يقاس به مستوى إنسانية المجتمعات وقدرتها على حماية مستقبلها.
وأكدت أن حماية حقوق الطفل لا تعني توفير الغذاء والتعليم والرعاية الصحية فقط، بل تعني أيضاً صون الكرامة الإنسانية منذ بداياتها الأولى، ومنح الطفل الشعور بالأمان والانتماء والقدرة على الحلم، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن بناء الإنسان بمعزل عن حماية حقوق الطفل، لأن الطفولة تمثل المرحلة الأكثر حساسيةً في تشكيل الوعي النفسي والاجتماعي والأخلاقي للفرد.
وبينت انه في ظل التحولات العالمية المتسارعة، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً لإعادة النظر بقضايا الطفولة بوصفها جزءاً من الأمن الإنساني الشامل، وليست مجرد ملف اجتماعي محدود.
وقال رئيس مؤسسة (بي آر سي) الدكتور ميثاق الضيفي خلال الاتصال المرئي عن بعد من بغداد؛ إن الواقع السيكولوجي والاجتماعي للطفل العربي اليوم يمر بمرحلة “التشظي الوجودي”، مبينا أن الطفل العربي ليس مجرد كائن ينمو، بل هو كائن يعيش بين مطرقة التفكك الأسري وصدمات الحروب، وسندان الجريمة المنظمة وشبكات المخدرات التي تحاول تحويل براءته إلى درع لآثامها.
ولفت الضيفي إلى أن الطفل العربي يواجه اغتراباً رقمياً مرعباً عبر فضاءات افتراضية تسلب هوية وعيه العربي وتصنع منه مسخاً مستهلكاً في الثورة الصناعية الرابعة، مؤكدا أن حماية الطفل العربي لم تعد عملاً خيرياً فائضاً عن الحاجة، بل هي جراحة استراتيجية عاجلة لإنقاذ الجسد الحضاري للأمة من بتر حتمي، داعيا إلى العمل المشترك لتطهير الحواضن الأسرية، وتحصين الهوية الثقافية، وبناء طفل صحيح البنية.
وقال المستشار الأكاديمي والخبير الاسري الدكتور عبدالغني حجير في ورقة “بعنوان “الانطولوجيا المنسية للطفل العربي: من الهامش الى مركز الوجود” إن كثيرا من الممارسات التربوية والثقافية ما تزال تنظر الى الطفل باعتباره موضوعا للتوجيه والضبط والتشكيل أكثر من كونه ذاتا تمتلك رؤيتها الخاصة للعالم.
وأشار حجير إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الطفل ليس وعاءً فارغا نملؤه بالمعلومات بل عقل منتج للمعرفة وخيال قادر على الابتكار وذات تمتلك قدرة مدهشة على التأويل والاكتشاف، لافتا الى انه أي مشروع نهضوي عربي حقيقي لا يمكن أن يبدأ من المناهج وحدها ولا من الابنية المدرسية بل من إعادة الاعتبار للطفل بوصفه إنسانا كامل الكرامة والوجود.
وفي الجلسة الثانية من الندوة لفتت الاكاديمية في قسم العلوم الانسانية والاساسية بجامعة فيلادلفيا الدكتورة سميرة الزيود في ورقتها المعنونة بـ “صنّاع السلام: إبداع هندسة أمن استراتيجي. رؤية عربية للأمن الإنساني الشامل من أمن الحدود إلى أمن الطفولة: نحو نموذج عربي لصناعة السلام المستدام من خلال الاستثمار في الإنسان”، إلى أهمية إعادة تعريف الأمن من منظور إنساني شامل يجعل الطفل نقطة البداية في أي مشروع استراتيجي لصناعة السلام.

ورأت ان الامن الإنساني للطفل العربي يجب أن يُنظر له خلال سبعة أبعاد مترابطة هي؛ الأمن الجسدي والأمن الغذائي، والأمن النفسي والأمن المعرفي والأمن الثقافي والهوياتي والأمن الاجتماعي والأمن المستقبلي.
وأوضحت أن مفهوم هندسة السلام يقصد به بناء منظومة متكاملة تجعل إنتاج العنف أقل احتمالاً وإنتاج الاستقرار أكثر قابلية للاستدامة، مبينة ان هذا لا يتحقق بالقرارات السياسية فقط، بل عبر مجالات التعليم، والأسرة. والإعلام. والثقافة. والعدالة الاجتماعية. وحماية الطفولة.
وأكدت أهمية دور المدرسة بوصفها مؤسسة أمن قومي وصانعة للوعي والانتماء والتفكير النقدي وقبول الاختلاف وثقافة الحوار.
وقالت مديرة برامج الحماية في مؤسسة إنقاذ الطفل الباحثة مي سلطان إن الحديث عن “حقوق الطفل” في الأردن ليس ترفاً فكرياً ولا مجرد استجابة لالتزامات دولية، بل هو تجسيد لثقافة وطنية وقيم راسخة ترى في الطفل نواة المستقبل وعماد الاستقرار، منوهة بالدور الريادي الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في الاردن بدفع هذه العجلة؛ وفي مقدمتها مؤسسة إنقاذ الطفل – الأردن التي تأسست عام 1974 بمبادرة كريمة ورعاية مستمرة من سمو الأميرة بسمة بنت طلال تحت اسم “جمعية العناية بالأطفال”.
ونوهت بأن مؤسسة إنقاذ الطفل الأردن تتميز بكونها العضو العربي الوحيد بين أعضاء مؤسسة إنقاذ الطفل الدولية؛ التي تضم 29 عضواً فاعلاً في 117 دولة حول العالم، مشيرة إلى انه استفاد من برامج وخدمات المؤسسة في عام 2025 ما يزيد على 153362 شخص.
وتطرقت الى أبرز المحطات التي أسهمت في بناء منظومة الحماية الوطنية، وصولًا إلى قانون حقوق الطفل رقم (17) لسنة 2022 باعتباره محطة تشريعية مفصلية في مسار تعزيز حقوق الطفل وحمايته.
وبينت أن منظومة حماية الطفل والأسرة في الأردن شهدت تحولاً نوعياً من التدخلات القطاعية إلى نهج وطني متكامل قائم على التخطيط متعدد القطاعات يوازن بين الوقاية والاستجابة والتنسيق المؤسسي، مع تبني مفهوم الوقاية والتدخل المبكر بوصفه انتقالاً من معالجة الأثر إلى معالجة الأسباب قبل وقوع الضرر.
ولفتت إلى التعديل الدستوري لعام 2022 الذي مثّل نقلة نوعية بإقراره نصاً صريحاً يوجب حماية الطفولة من جميع أشكال الإساءة والاستغلال، بما يرسّخ الحماية الدستورية المباشرة كالتزام سيادي واجب النفاذ، مؤكدة أن الأردن سار بخطى واثقة وثابتة نحو تحصين أطفاله، بالانتقال من رعاية الطفولة إلى تمكينها، ومن عزل الحماية في دور الرعاية إلى دمجها في الدستور والقوانين الحازمة.
واستعرضت كاشف شروط الوجود الآمن ومظاهر الحرمان لدى الاطفال في الحالة السودانية.
وتحدثت مديرة فرع مؤسسة (بي آر سي) في الاردن الدكتورة نور الكبيسي في ورقة عنوانها “الطفولة في العالم العربي برؤية علمية دولية: قراءة في جهود مؤسسة (بي آر سي) العلمية الدولية”، مبينة أن المؤسسة تنظر إلى الطفل ليس فقط كحلقة أضعف تحتاج إلى الحماية، بل كاستثمار استراتيجي يمثل مستقبل الأمة، ومن هذا المنطلق وظفت المؤسسة ترسانتها الأكاديمية متعددة التخصصات وصممت برامجها التخصصية وفعالياتها الدولية لتصنع خط دفاع علمي وعملي متكامل، يهدف إلى تحصين الطفولة العربية وعولمة مخرجاتها البحثية لضمان تنمية إنسانية مستدامة.
واستعرضت الاطار الفلسفي والهوية المؤسسية لمؤسسة (بي آر سي) في رعاية الطفولة العربية، كما استعرضت الدور الريادي لفرع المؤسسة في الاردن.
م ت/ اح
