أسامه عادل الجراح
قبل أيام، انشغل الشارع الأردني ومعه مواقع التواصل الاجتماعي بنقاش بدا للكثيرين صادماً في توقيته ومضمونه: “لبس الشورت”، حتى تحوّل هذا التفصيل البسيط في حياة الناس إلى قضية رأي عام ومادة للجدل، بل وموضوع يُطرح تحت قبة البرلمان.
في الوقت ذاته، يجلس مجلس النواب في دورة استثنائية دُعي إليها لمناقشة مشاريع قوانين حيوية، في مقدمتها قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 الذي يُعدّ من أبرز التشريعات التنموية، إلى جانب إلغاء قانون المؤسسة الاستهلاكية المدنية وتنظيم العمل المهني وهيئة الاعتماد وضمان الجودة.
تشريعات تمسّ حياة الناس وتنظّم علاقة المواطن بالدولة، ثم فجأة، يتبنى أحد النواب مذكرة نيابية تطالب الحكومة بإعداد مدونة إرشادية للذوق العام والسلوك واللباس اللائق في الأماكن العامة والمجمعات التجارية.
لن أقول إن للنائب رأياً خاطئاً في الاحتشام، فللناس آراؤهم وقيمهم وهذا حقهم. لكن السؤال هو: ما الذي يخبرنا به هذا التوقيت؟
منذ أشهر، بات حساب “الجنرال” أو “المفتش العام” حاضراً بثبات في المشهد العام الأردني، ينشر وثائق ومعطيات تتعلق بملفات فساد مفترضة، بأسلوب يعتمد على المستند لا على الادعاء، وعلى التوثيق لا على التحريض.
وقد أصبح كما يصفه كثيرون “صوت الفئات المهمشة” و”مصدر قلق يؤرق الفاسدين”، فيما دفعت منشوراته جهات رسمية إلى إصدار ردود وتوضيحات بشأن قضايا أثارت ردود فعل واسعة.
لست هنا لأشهد بصحة كل ما ينشره الجنرال أو أدافع عنه؛ المجهولية لا تعني الصواب المطلق، كما لا تعني الخطأ المطلق. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: لماذا يملأ مجهول هذا الفراغ؟
الجواب بسيط ومؤلم في آنٍ واحد: لأن المؤسسات الرقابية الرسمية لم تملأه بالسرعة والشفافية التي يتوقعها المواطن.
مجلس النواب يملك أدواتٍ لا تمتلكها أي صفحة على الفيسبوك السؤال النيابي، الاستجواب، لجان التحقيق، استدعاء المسؤولين، طلب الوثائق.
هذه الأدوات موجودة في الدستور، ليس للزينة، بل للاستخدام.
فإذا كان ما ينشره الجنرال كذباً فليُكشف كذبه بالوثيقة الرسمية. وإذا كان جزء منه حقيقة فليُحاسَب المسؤولون.
أما أن تُترك الملفات الكبيرة دون رقابة برلمانية جادة، ثم ينشغل بعض النواب بطول “الشورت” في الأماكن العامة، فهذا هو التناقض الذي يصعب تبريره.
الاحتشام قيمة أؤمن بها، لكنها قيمة تُبنى في البيت والمسجد والمدرسة، لا بمدوّنة إرشادية تصدر عن الحكومة.
والذوق العام شأن اجتماعي يُصنعه المجتمع بوعيه وتربيته، لا شرطي يقف عند باب المجمع التجاري ليقيس طول الثوب.
هناك فرق جوهري بين ما هو غير أخلاقي، وما هو غير لائق اجتماعياً، وما هو مخالف للقانون؛ والخلط بين هذه المستويات الثلاثة لا ينتج دولة راشدة بل ينتج دولة تراقب الملابس وتغض الطرف عن المال العام.
الأردن لا يحتاج مجلساً يراقب الأردنيين، بل يحتاج مجلساً يراقب الحكومة.

